من «الملاك» إلى نجاد لعبة التسريبات القاتلة رأي قاسم س. قاسم الثلاثاء 9 حزيران 2026 في عالم الاستخبارات، يموت العملاء
من «الملاك» إلى نجاد: لعبة التسريبات القاتلة
رأي
قاسم س. قاسم
الثلاثاء 9 حزيران 2026
في عالم الاستخبارات، يموت العملاء حين تنكشف أسماؤهم ووجوههم وتُعرف أدوارهم. هذا ما جرى مع أشرف مروان، الذي كتب عنه «مؤرّخ عمليات الموساد»، أوري بار يوسف، في عام 2010. في ذلك العام خصّص بار يوسف كتابه عن «الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل»، معتبراً أن مروان كان أهم عميل مصري لـ«الموساد»، والجاسوس الذي «أنقذ إسرائيل» قبل حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. لكن في الحقيقة، أول من كشف هوية مروان هو الباحث أهارون بيرغمان في كتابه «تاريخ إسرائيل» الصادر عام 2002، والذي اعتمد فيه على رواية رئيس الاستخبارات العسكرية إيلي زاعيرا.
لم يكن أشرف مروان رجلًا عادياً، كان زوج ابنة الرئيس جمال عبد الناصر، ثم قريباً من الرئيس الراحل أنور السادات، وموجوداً عند تقاطع السياسة والمال والأمن. لذلك، كان ظهوره في الرواية الإسرائيلية أقرب إلى حلم استخباري: رجل من داخل الحلقة الضيقة، يعرف ما يدور في القاهرة، وينقل ما يكفي لجعل مصر كتاباً مفتوحاً على طاولة تل أبيب. في عام 2007، وُجد أشرف مروان ميتاً بعد سقوطه عن شرفته في العاصمة البريطانية لندن.
قيل إن الاستخبارات المصرية قتلته بعدما تبيّن أنه عميل. وقيل إن «الموساد» الإسرائيلي قتله بعدما تبيّن أنه كان خرقاً وعميلاً مزدوجاً خدعت به الاستخبارات المصرية الجهاز الإسرائيلي. بالنسبة إلى أوري بار يوسف، فقد بنى روايته معتمداً على ما سرّبه إليه رئيس «الموساد» آنذاك، تسفي زامير، وهو أن مروان كان أهم مصدر بشري إسرائيلي في مصر، وأنه حذّر إسرائيل قبل الهجوم المصري ـ السوري في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973.
في العام الماضي، أعاد رونين بيرغمان، الصحافي الإسرائيلي المتخصص في شؤون الاستخبارات، طرح الموضوع قائلاً إن مروان لم يكن ملاك إسرائيل، بل كان سهماً مصرياً مسموماً في قلب وعيها الاستخباري. بحسب ما نقلته تقارير إسرائيلية عن تحقيق بيرغمان في «يديعوت أحرونوت»، فقد خدع مروان إسرائيل، وكان جزءاً من خطة مصرية مصمّمة مهّدت للنجاح الأولي في هجوم أكتوبر 73. وبحسب المقال الذي نشره بيرغمان بالتعاون مع يوفال روبوفيتش، فإن مروان مرّر عدداً كبيراً من المعلومات الصحيحة بهدف كسب ثقة الاستخبارات الإسرائيلية، لكنه مرّر أيضاً معلومات قاتلة ضلّلت الإسرائيليين.
وبحسب رواية رونين بيرغمان وزميله يوفال روبوفيتش، فإن ما ظنته إسرائيل اختراقاً ربما كان اختراقاً معكوساً، وإن الرجل الذي اعتقد «الموساد» أنه أمسك به، ربما كان يمسك بـ«الموساد» من الجهة الأخرى. ووفق تحقيق بيرغمان، لم يكن مروان مجرد مصدر أعطى معلومات، بل جزءاً من تصميم مصري أوسع لخداع إسرائيل وتثبيت «المفهوم» الذي حكم عقلها قبل الحرب: أن مصر لن تذهب إلى مواجهة واسعة ما لم تمتلك قدرات معينة، وأن ساعة الحرب لم تنضج بعد.
حين تكشف الصحافة أن الولايات المتحدة وإسرائيل درستا أو خططتا لإعادة نجاد إلى السلطة في إيران بعد الحرب، فهذا لا يعني بالضرورة أنه «عميل موساد» بالمعنى الحرفي
رواية بار يوسف أغرت إسرائيل. فهي تمنحها عزاءً بعد صدمة أكتوبر: صحيح أنها فشلت في منع المفاجأة، لكن كان لديها «ملاك» في قلب القاهرة. الفشل إذاً ليس فشل المؤسسة كلها، بل سوء تقدير، أو تأخر في التعامل مع التحذير، أو صراع بين الاستخبارات العسكرية و«الموساد»، وهو ما تجسّد بالاتهامات والمحاكمات التي مثَل فيها إيلي زاعيرا وتسفي زامير، اللذان بسبب خلافهما تسرّب اسمه ومات الرجل.
لكن، ما علاقة كل هذا بالرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً أن إسرائيل أطلعته على مخططها لتسليمه الحكم بعد العدوان على إيران؟ أولًا، لسنا هنا في صدد الدفاع عن نجاد، وذكر أشرف مروان ليس لأن الرجلين يتشابهان في الموقع، بل لأن المنطق الاستخباري واحد: حين تكشف الصحافة أن الولايات المتحدة وإسرائيل درستا أو خططتا لإعادة نجاد إلى السلطة في إيران بعد الحرب، فهذا لا يعني بالضرورة أنه «عميل موساد» بالمعنى الحرفي. فمنطق الأمور أن أي جهاز استخباراتي في العالم لا يكشف عن مصادره، حتى لو كانت برتبة متدنّية. وعادةً، تحمي أجهزة الاستخبارات مصادرها وعملاءها كي تشعر الآخرين، الذين قد يكونون أهدافاً محتملة للتجنيد، بأنها تحميهم عند تعرضهم للخطر. فلنفترض أن نجاد مطّلع على المخطط الإسرائيلي أو عميل لـ«الموساد»، فكيف يكشف مصدر بهذا الحجم؟
نجاد بنى حياته على خطاب «محو إسرائيل»، وعلى التحدي النووي، ثم ظهر في تسريبات «نيويورك تايمز» بوصفه خياراً أميركياً-إسرائيلياً محتملاً لحكم إيران بعد ضرب قيادتها. لا يهم هنا إن كان أحمدي نجاد قد وافق كاملاً، أو خُدع، أو رأى فرصة للعودة، أو انقلب على الخطة بعد إصابته كما نقل التقرير. لكن السؤال الآن: لماذا نُشرت هذه المعلومة؟ وهل هي صحيحة؟ وكيف يعقل لـ«الموساد» أن يسمح بنشر أو يسرّب مثل هكذا معلومة؟ أم أن ما جرى مع نجاد هو تكرار لما جرى مع مروان: تسريب أنه كان عميلاً، ثم نفي ذلك بعد سنوات، بعدما يتبين أن الأمر أدى إلى تدمير حياة الأخير.
صحافي فلسطيني مختص في الشأن الإسرائيلي
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها